بنتي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز


ومسك إيد مريم باسها وعينه مغرقة دموع سامحيني يا مريم.. سامحيني يا حبيبتي إني سيبتك للكلب ده.. دقيقة واحدة ومش هتقعدي في بيته!
مريم مكنتش قادرة تتكلم، كانت بتشهق من كتر العياط وبتشاور على بطنها بتعب وقهر. قومت معاها، سندتها أنا وأخوها، لمينا هدومها في الشنطة والكلب مدحت مرمي بره في الصالة بيموت من الوجع ومش قادر يرفع عينه فينا.
شيلنا مريم وخرجنا بيها على العربية، ركبتها ورا وفردت ضهرها، وأحمد ركب ورا الدريكسيون، وعينه لسه بتطلع شرار. طلع موبايله وهو بيترعش من الغضب وطلب النجدة أيوة يا فندم.. أنا ببلغ عن شروع في قتل واحتجاز وتعذيب في قرية ... تابع لمركز قنا.. المتهم جوز أختي وموجود في بيته غرقان في دمه بعد ما دافعنا عن نفسنا.. وإحنا حالياً في طريقنا لأقرب مستشفى عام لإنقاذ حالة إجهاض وتسمم.
قفل السكة وداس بنزين، والعربية طارت بينا على المستشفى العام. طول السكة كنت واخدة مريم بمسح على شعرها وبقرأ لها قرآن، وهي تدريجياً بدأت تهدا وضيق التنفس يروح من عليها.. الدكاترة في المستشفى استقبلوها فوراً، وعملوا لها تقرير طبي كامل بالاصابات اللي في رقبتها وإيديها، والحمد لله طمنونا إن الجنين بخير وربنا كتب له عمر جديد.
الشرطة جت المستشفى وأخدت أقوالنا وأقوال مريم اللي حكت كل حاجة.. حكت إزاي بقاله يومين مانع عنها الأكل والشرب ورابطها، ولما لقاها هتموت وتفضح الدنيا، استخدم برامج ال AI على موبايلها عشان يركب وشها وصوتها ويغير التعبيرات عشان يطمني، وكان واقف فوق راسها بالسكينة وهي بتتكلم عشان ينفذ التهديد لو نطقت.
بعد ما خلصنا المحاضر والإجراءات، والشمس كانت بقت في كبد السماء، ركبنا العربية تاني بس المرة دي مريم معانا ورا، ساندة راسها على كتفي ونائمة في أمان.
أحمد بصلي في المراية، وشه كان هدي شوية، وابتسم ابتسامة صافية عارفة يا أمي.. لولا شفرة رأس البر دي.. كان زماننا دلوقتي بنقرا الفاتحة على أختي.
مسحت على راس بنتي وبصيت له في المراية وقلت له ونفسي أخيرًا هدي قلب الأم يا أحمد.. قلب الأم عمره ما بيكدب، والدم عمره ما بيبقى مية.. اطلع بينا على طنطا يا حبيبي.. مفيش سفر تاني بعيد عن حضني.
.......... 
العربية كانت بتنهب الأرض نهب في طريق العودة لطنطا. الطريق الصحراوي اللي كان من كام ساعة ضلمة ومخيف، بقى دلوقتي تحت

نور الشمس الساطعة كأنه بيطرد الكابوس اللي عيشناه. مريم نامت أخيراً من كتر التعب والمُهدئات اللي أخدتها في المستشفى، ويدوب صوت أنفاسها المنتظمة كان هو الصوت الوحيد اللي بيطمن قلبي اللي كان هيقف.
أحمد كان سايق وعينه على الطريق، بس كل كام دقيقة يبص في المراية يتطمن علينا. سكوته المرة دي مكنش سكوت غضب، كان سكوت راجل حس إنه عمل واجبه وحمى عرضه.
فجأة، موبايلي رن. بصيت على الشاشة لقيت رقم غريب. قلبي انقبض تاني، بس رديت بصوت ثابت أيوة؟
السلام عليكم.. معاي الحجة أم مريم؟ الصوت كان راجل صعيدي، نبرته فيها هيبة ووقار بس باين عليها الحرج.
أيوة أنا.. مين معايا؟
أنا الحاج عبد الستار، كبير عيلة مدحت وعمّه.. يا حجة إحنا لسه واصلنا الخبر، وعلمنا باللي عمله الواد ناقص الرباية والمروءة.. ورب العزة إحنا قاطعين خلوفه ورافعين يدنا عنه، والصعيد كله براء من أفعاله.. عيبنا كبير في حقكم، والواد منيل بنيلة ومحجوز في المستشفى تحت حراسة الشرطة، والنيابة شغالة.
تنهدت براحة، وعرفت إن الدنيا لسه فيها ناس عندها أصل يا حاج عبد الستار، الواد ده كان هيقضي على بنتي وبنته اللي في بطنها.. لولا ستر ربنا وكرمه.
حقكم علينا فوق الراس، وطلاق بنتك هيوصلها لحد باب بيتها في طنطا بكرامتها وكل حقوقها، والكلب ده حسابه عند الحكومة وعندنا برضه مش هيموت واصل.. حمد الله على سلامة بنتنا، وقولي للأستاذ أحمد ميزعلش منينا، إحنا ناس نعرف الأصول.
الله يسلمك يا حاج.. الأصول والواجب عارفينهم منكم.. مع السلامة.
قفلت السكة وأحمد بصلي في المراية عمّه؟
هزيت رأسي أه.. ورفعوا إيدهم عنه وهيطلقوها بالمعروف.
أحمد جز على سنانه ده كرم منهم.. عشان لو فكر بس يقرب من طنطا، كنت دفنته حتة واحدة.
على العصر، كانت يافطة مرحباً بكم في طنطا بتنور قدامنا. أول ما العربية دخلت شارعنا، حسيت إن الروح ردت فيا من جديد. الجيران اللي شافوا العربية وقفوا يسلموا، بس أنا مشيت بمريم بسرعة ودخلتها شقتها القديمة.. أوضتها اللي سابتها من سنة.
مريم فتحت عينها وبصت حواليها، شافت سريرها، ودولابها، وصورها وهي صغيرة.. دموعها نزلت بس المرة دي كانت دموع راحة. رمت نفسها وقالت بصوت واطي ومبحوح أنا رجعت بيتنا يا ماما؟
رجعتي يا قلب أمك.. ورجعتي للي بيحبوكي ويصونوكي.
أحمد دخل وهو شايل الشنط، ووشه منور طب إيه
بقى؟ مش قولتلك الفراخ البلدي دي وشها حلو؟ هقوم أسخنها فوراً عشان البطل الصغير اللي جوه ده يتغذى.
ضحكنا أنا ومريم وسط الدموع. في اللحظة دي عرفت إن الوجع هيروح مع الوقت، وإن الضربة اللي متموتش بتقوي. بصيت للسماء وقلت الحمد لله يا رب.. الحمد لله اللي نور بصيرتي وخلى رأس البر تكون هي طوق النجاة.
......... 
مريم بدأت تاكل ببطء شديد، وأحمد قاعد قدامها على السرير، عينه منزلتش من عليها وكأنه لسه مش مصدق إنها قاعدة وسطنا وفي وسط أوضتها. كل ما تمد إيدها تاخد حتة فرخة، يبتسم ويقولها كلي يا مريم.. كلي وعوضي اليومين اللي فاتوا، ده أنا من الصبح حاسس إن قلبي كان مقبوض، بس دلوقتي بس نفسي اتفتحت.
مريم بصتله بعينين مليانة امتنان وقالت بصوت هادي تعبتك معايا يا أحمد.. بهدلتك في المشاوير دي وأنتملكش ذنب.
أحمد اتقلب وشه في ثانية ورجع ل شخصية الأخ الأخ الغيور تعبتيني إيه يا هبلة أنتِ؟ ده أنا كنت هطير من الفرحة وأنا باخد الواد بوكس في وشه! بس قوليلي.. هو الكلب ده جاب برنامج ال AI ده منين؟ وعمل الحركة دي إزاي؟
مريم نزلت راسها في الأرض وافتكرت الكابوس مدحت شغال في شركة برمجيات صغيرة هناك في قنا.. وكان دايماً مهووس بالحاجات دي. لما لقى عمّه الحاج عبد الستار ضاغط عليه في الفلوس اللي كان واخدها منه، عينيه زاغت على فلوس ورث بابا. ولما رفضت، اتجنب.. قالي هنا مفيش حد هيسمعك، وأهلك بعيد.. ولو حد سأل هقول تعبانة، ولما أزهق منك هخلص عليكي وأقول ماتت من التعب.
جسمي قشعر تاني لما سمعت الكلام ده، أخدت من إيدها كباية العصير وقلت لها انسيه يا مريم.. انسيه خالص، الكلب ده نهايته السجن، وعيلته صدمته ورفعت إيدها عنه.. المهم دلوقتي أنتِ وابنك اللي جاي.
مريم حطت إيدها على بطنها، ولأول مرة من سنة أشوف ضحكتها الحقيقية، الضحكة الرقيقة اللي كانت بتنور الوش عارفة يا ماما.. وأنا واقفة قدام الكاميرا والسكينة في جنبي، كنت بدعي وبقول يارب أمي تفهمني.. يارب تفتكر سوق رأس البر.. كنت عارفة إنك الوحيدة اللي هقط لقطة زي دي.
أحمد قام وقف وباس راسها طب بمناسبة رأس البر بقى.. أول ما تقومي بالسلامة والبيبي
يشرف، أنا اللي هسفركم رأس البر على حسابي، وهفسحكم فُسحة عمركم ما تنسوها.. بس من غير أسواق ومعديات عشان الفوبيا!
ضحكنا كلنا، والصالة اللي كانت بقالها
سنة فاضية ومكتئبة، رجعت فيها الروح من تاني.
دخلت المطبخ أعملهم شاي، وبصيت من الشباك على الشارع.. الدنيا كانت بدأت تضلم، ونور الفوانيس بتاعة المحلات بدأ ينور طنطا. حسيت براحة مفيش بعديها راحة.. الرهان على ضمير البشر ساعات بيفشل، بس الرهان على قلب الأم ودعوتها دايماً بيكسب.
قفلت الشباك ورجعت لأولادي.. رجعت لحياتي اللي انكتب لها عمر جديد.
......... 
مرت الأيام والأسابيع، وكأنها بتمسح ب إيد حنينة على قلوبنا وتداوي الجروح اللي سابها الكابوس ده في روحنا.
المحكمة حكمت على مدحت بالسجن المشدد بتهمة الشروع في القتل والاحتجاز والتعذيب، والتقرير الطبي وشهادة مريم وتسجيل الفيديو كول االلي استخدم فيه الذكاء الاصطناعي كانوا حبل المشنقة اللي لف حوالين رقبته وضيع مستقبله ب إيديه. الحاج عبد الستار وفى بوعده، وقسيمة الطلاق وصلت لمريم لحد باب البيت ومعاها كل حقوقها المادية كاملة وزيادة، عشان يقفلوا صفحة الراجل ده من حياتنا للأبد.
مريم بدأت تسترد صحتها وضحكتها، والبيت اللي كان دايماً ساكت، رجع يتملي بحركتها ونورها وسطنا.
وبعد كام شهر... في ليلة شتوية دافية في مستشفى طنطا العام، سمعنا أول صرخة للبطل الصغير اللي شرف الدنيا. أحمد كان واقف بره الأوضة رايح جاي زي المجنون، وأول ما الممرضة خرجت بالبيبي، عينه دمعت من الفرحة وشاله بين إيديه وكأنه بيملك الدنيا.
مريم سمته أدم.. على اسم أبويا الله يرحمه.
بعد أسبوعين من السبوع، لقيت أحمد داخل الصالة وهو شايل مفاتيح العربية وبيصفر
جهزوا الشنط يا جماعة.. القائد أدم أصدر الأوامر بالتحرك فوراً.
بصيت له باستغراب تحرك فين يا مجنون أنت في البرد ده؟
أحمد غمز لمريم وضحك رأس البر يا أمي.. مش أنا وعدتكم؟ لازم نكسر الفوبيا القديمة دي، ونعمل ذكريات جديدة حلوة لأدم الصغير.
مريم بصتلي وعينيها لمعت بدموع صافية، وهزت راسها بالموافقة وهي بتضحك من قلبها. في اللحظة دي، حسيت إن الحمل كله انزاح عن كتفي، وإن السكينة اللي فارقت بيتنا من سنة رجعت ترفرف علينا من تاني.
لمينا الشنط، وركبنا العربية.. أحمد سايق ومريم جنبي ورا شايلة ابنها وبتغني له بصوت واطي، وأنا باصة من الشباك على طريق طنطا وببتسم.
بصيت لأحمد ومريم وقلت في سري الحمد لله يا رب.. الحمد لله اللي رد لي بنتي، ونور بصيرتي، وخلى قلب الأم الحارس
الأمين اللي بيحمي أولاده من غدر الزمان.
تمت

 

تم نسخ الرابط