بنتي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز


اللزوم، ومبينة بس من أول بطنها وطالع.
إحساس الأم كان بيقولي إن مدحت بيخبي حاجة تحت كادر الكاميرا.
عشان كدة أنا سجلت الشاشة فيديو وأنا بكلمها.
أحمد قرب مني وبص على الشاشة
يا ماما، هي مريم مالها طالعة ميبسة كدة زي بتوع الذكاء الاصطناعي AI؟
حواجبة اتقفلت تفتكري تكون عاملة فينا مقلب ومغيرة وشها بالبرامج عشان تضحك معانا؟
بصيت له بطرف عيني أختك وش المقالب دي؟
وماله، جايز.. أول امبارح وامبارح مكنتيش عارفة توصلي لها، وأنتِ قولتي لها بهزار لو مظهرتيش هبلغ الشرطة.. يمكن خافت تقلقي فعملت كدة.
وطلع موبايله وفتح أبلكيشن، وفي ثواني غير وشه وصوته تماماً.. لدرجة تخليك تشك في عينك.
سألته يعني أنت شايف إن اللي في الفيديو دي مش أختك؟
مسك الموبايل ودقق أوي
مش قادر أحكم.. بس بصي يا أمي.. ملامح وشها وتعبيراتها ثابتة مبتتحركش تقريباً، وإيد جوزها ثابتة في نفس المكان مابتتهزش.. ده شغل AI واضح أوي.
طب لو ال AI والبني آدم الحقيقي بقوا شبه بعض بالمنظر ده... هنفرق بينهم إزاي؟
سهلة يا ماما.. ال AI ميعرفش الأسرار والحاجات الخاصة اللي بينكم.. يعني لو سألتيه على حاجة سر، وجاوب صح، يبقى بني آدم حقيقي.
في اللحظة دي.. عقلي وقف تماماً.
رأس البر...
مسكت الموبايل وضغطت عليه بكل عزمي وعيني بتطلع شرار
رأس البر دي.. هي الشفرة االي في الفيديو بنتي ..بنتي في مصيبه !!!!!!!
.......... 
أحمد داس بنزين على آخره، وصوت الموتور بقى يزعق في جوف الضلمة والصحراء حوالينا زي الوحش الجعان. ملامح وشه اتقبضت، وعروق إيديه اللي كبست على الدريكسيون اتصلبت وبقت شبه الحبال شفرة إيه يا أمي؟ رأس البر مالها؟ ما تفهميني في إيه!
دموعي اللي كنت حابساها

طول السكة فرت من عيني، وصوتي طلع حشرجة مكتومة مليانة قهر أختك عمرها ما حبت رأس البر يا أحمد.. مريم وهي عندها سبع سنين، كانت هتيجي تحت العجلة في سوق رأس البر، ومن يومها جالها فوبيا من اسمها.. لما كانت تسمع السيرة دي بس، جسمها كان بيتنفض وتعيط وتستخبى بنتي لو واعية وفي كامل إرادتها، مستحيل تقولي روحي رأس البر، مستحيل!
أحمد عينه لفت في الشارع وضغط على السنان بقوة خلت فكه يطق يعني اللي كلمتنا دي...
دي مريم.. بس مريم اللي كانت بتموت وبتستنجد بيا باللي باقي من روحها! لويت إيدي وأنا بفتكر تفاصيل وشها في الكاميرا الكلب ده كان حاطط السكينة في جنبها تحت الكادر.. عشان كده إيده مكنتش بتفارق وسطها، وعشان كده هي كانت ميبسة ومرعوبة، ونطقت بأول اسم هي عارفاها وموجوعة منه عشان تفوقني! مريم في خطر يا أحمد.. جوزها حابسها أو عامل فيها حاجة!
أحمد ضرب الدريكسيون بإيده التانية زئير قوي هز صاج العربية والنعمة الشريفة ما هسيبه.. ده أنا هطير رقبته!
الساعات بدأت تمر وكأنها سنين، عداد السرعة متبت على 160، والأسفلت بيموت تحت الكاوتش، والضلمة بدأت تفتح على نور الفجر الخافت اللي رامي بياضه على جبال قنا الصخرية. مكنتش شايفة المناظر، كنت شايفة بنتي وهي بتنزف، وهي بتصرخ من غير صوت، وهي بتدعي يارب أمي تفهمني.
وصلنا المدق الجبلي المؤدي للقرية والشمس كانت بدأت تطلع وتكشف البيوت الطوب الأحمر المتطرفة وسط الزرع والبوص. أحمد هدى السرعة وبدأ يدخل بالعربية في وسط الشوارع الضيقة والتراب بيعفر وراها. وقفنا على بعد بيت واحد من بيت مدحت، النور كان مطفي والهدوء غريب، كأن البيت مهجور.
نزلت من العربية قبل ما تقف تماماً، رجلي شيلاني بقوة
مش قوتي، وورايا أحمد خطوته بتهد الأرض وشايل الشنطة اللي فيها البطة في إيده. طلعت عتبة البيت، وخبطت على الباب الحديد بكل عزمي، خبطات ورا بعض ورا بعض عملت دوشة في الشارع كله.
مفيش خمس ثواني، والباب اتفتح موارب، وظهر وش مدحت.. كان لابس جلابية، وشه أصفر ومخطوف، وعينه حمرا وفيها غدر وخوف حماتي؟! أحمد؟! إيه اللي جابكم في وقت زي ده ومن غير ميعاد؟!
زقيته بكتفي بكل غلي وجبروتي ودخلت الصالة فين مريم يا مدحت؟!
مدحت اتلخبط ورجع لورا، وبيحاول يداري الباب اللي وراه مريم.. مريم نايمة جوه يا حجة، تعبانة و...
أحمد مسبلوش فرصة يكمل، رمى الشنطة في الأرض، وقفش في جلابيته من عند رقبتها ورفعه لفوق لحد ما رجله اتعوجت عن الأرض، وزعق في وشه بصوت رعد أختي فين يا روح أمك؟! قسماً بالله لو ما نطقت دلوقتي لأكون دافنك مكانك!
يا جماعة وحدوا الله.. مريم تعبانة والله وفي الأوضة! مدحت صرخ وصوته اتهز وهو بيبص لأحمد برعب.
سيبتهم وجريت على الأوضة الجوانية، زقيت الباب برجلي.. الأوضة كانت ضلمة، وريحة كتمة وغم ودموع مغرقة المكان. نورت النور، وعيني جت على السرير..
مريم كانت ملقوحة على السرير، وشها أزرق وفي علامات صوابع معلمة على رقبتها، وإيديها ورجليها مربوطين بحبال غسيل جامدة في حديد السرير، وبقها متكمم بحتة قماش بدمها.. وعينها مبرقة، وأول ما شافتني، الدموع نزلت شلالات وبدأت تصرخ من ورا القماشة صرخات مكتومة تقطع القلب.
صرخت بأعلى صوتي وهجمت عليها مريم!!! يا قلب أمك!
أحمد سمع صرختي، وجر مدحت من رقبتها ورماه جوه الأوضة على الأرض زي الشوال، وأول ما شاف منظر أخته، وشه قلب ودمه هرب منه، وبقى مفيش في عينه غير الموت. مسكت مسن الحديد من
الشنطة وبدأت أقطع في الحبال وأنا بصرخ فك أختك يا أحمد!! فك أختك!
أحمد نزل على ركبه، وبإيديه الناشفة بدأ يشد الحبال ويقطعها وعينه بتطق شرار، وأول ما القماشة اتمزعت من على بقها، مريم رمت نفسها وهي بتترعش زي العصفورة المبلولة وتصرخ بوجع وهستيريا الحقيني يا ماما.. كان هيقتلني ويموت ابني.. كان عايزني أقولكم إني كويسة عشان ياخد الفلوس اللي ورثتها من بابا ويكتم نفسي.. الحقيني يا ماما!
مدحت حاول يتسحب ويجري ناحية الباب، بس أحمد لمح خياله.. قام زي القضاء المستعجل، وجابه من قفاه ورزعه في الحيطة بوكس خلى سنانه تقع على الأرض، ونزل فوقه ضرب عمي مفيش فيه رحمة.. ضرب بكل غل السنة اللي فاتت.
أنا بنتي وكبستها في صدري وأنا بعيط وببوس راسها وإيديها المتبهدلة خلاص يا قلب أمك.. خلاص يا مريم.. أمك جنبك وأخوكي معاكي.. والله ما هنسيبك تاني لو فيها موتنا!
........ 
مدحت كان بيلفظ أنفاسه تحت إيد أحمد، صوته طلع حشرجة مكتومة وهو بيحاول يحمي وشه ب إيديه اللي بتتكسر هتموتوني في بيتي.. يا ناس يا هوه.. الحقوني!
أحمد مكنش سامعه، كان عامي تماماً، عينيه حمرا زي الدم، والبلطة اللي جابها من الموان كانت مركونة على حيطة الصالة، لمحها بطرف عينه وساب مدحت وخطى خطوتين عشان يجيبها.. في اللحظة دي عرفت إن ابني لو مسكها، هيدخل المشنقة ورجله فوق رقبته.
أحمد!!! سيبه!!! زعقت فيها بكل عزمي وأنا لسه حاضنة مريم اللي بتترعش زي الورقة.. سيبه يا أحمد عشان خاطر أختك.. متضيعش نفسك وتضيعنا وراه.. سيبه للشرطة تاخده الجنايات!
أحمد وقف في مكانه، صدره بيعلو ويهبط ونفسه طالع زي النار، بص للبلطة وبص لمدحت اللي غرقان في دمه على الأرض ومبينطقش، وبعدين
تف في وشه ودخل علينا الأوضة، نزل على ركبه
 

تم نسخ الرابط