حول جوزي مرتبه

لمحة نيوز

جوزي حول مرتبه كله على حساب أمه وقال إني طماعة لكن أول ما احتاج عملية مستعجلة، كانت الصدمة أكبر مما يتخيل
أول مرة عرفت إن جوزي حوّل مرتبه كله على حساب أمه، كانت بالصدفة.
كنت واقفة في المطبخ بحضر الغدا، وهو كان بيتكلم في التليفون مع البنك.
سمعته بيقول
أيوة، من الشهر الجاي الراتب كله ينزل على الحساب التاني.
استغربت.
لأن إحنا أصلًا عندنا حساب مشترك بندفع منه إيجار الشقة ومصاريف البيت.
ولما سألته بهدوء
حساب إيه ده؟
رد وهو متضايق
حساب أمي.
افتكرت إنه بيهزر.
لكن لما شاف وشي، قال بجدية
أمي أولى بفلوسي.
وقتها حسيت إن في حاجة غلط.
قلتله
وأقساط الشقة؟ وفواتير البيت؟ ومصاريفنا؟
بصلي باستهزاء وقال
إنتِ كل اللي يهمك الفلوس.
الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة.
لأن طول 8 سنين جواز، عمري ما طلبت منه حاجة فوق طاقته.
أنا اسمي دينا.
وعندي 35 سنة.
وبشتغل محاسبة.
ومن يوم جوازنا وأنا بساهم في مصاريف البيت زيه بالضبط.
لكن من ساعة ما حماتي سكنت قريب مننا، كل حاجة بدأت تتغير.
بقت تتدخل في كل تفصيلة.
وتقنعه إن الزوجة لازم تعتمد على نفسها.
وإن الست اللي تسأل جوزها عن الفلوس تبقى طماعة.
وللأسف، كان بيسمع كلامها.
الشهور عدت.
وأنا اللي بقيت بدفع معظم مصاريف البيت.
الإيجار.
الكهربا.
الأكل.
وهو مرتبه كله تقريبًا بيروح لأمه.
ولما كنت أتكلم، كان يكرر نفس الجملة
إنتِ عينك على فلوسي.
لحد ما جه اليوم اللي قلب كل حاجة.
كان يوم جمعة.
وفجأة صحيت على صوته وهو بيتألم بشكل مرعب.
كان ماسك بطنه ومش قادر يقف.
جريناله على المستشفى.
وبعد الكشف والتحاليل، الدكتور قال
لازم عملية بسرعة.
العملية كانت مستعجلة.
وتكلفتها كبيرة.
جوزي اتوتر جدًا.
وأول حاجة عملها إنه اتصل بأمه.
فضل يكلمها أكتر من نص ساعة.
وبعدين قفل وهو وشه متغير.
سألته
قالت إيه؟
ما ردش.
لكن بعد شوية اعترف بالحقيقة.
قال إن الفلوس اللي

كان بيحولها ليها كل شهر
ما بقاش معاها منها تقريبًا حاجة.
جزء راح في جمعية.
وجزء صرفته على تجديد شقتها.
وجزء ادته لأخوه الصغير عشان يفتح مشروع.
وإنها قالتله بالحرف
أنا معنديش المبلغ دلوقتي.
ساعتها لأول مرة شفت الصدمة في عينه.
صدمة واحد اكتشف إنه ضحى بكل حاجة
وفي وقت الشدة ما لقاش حد واقف جنبه.
بصلي وهو مكسور وقال
نعمل إيه؟
سكت ثواني.
لأن الإجابة كانت موجودة من زمان.
في الحساب اللي كنت بحوش فيه جزء من مرتبي كل شهر من غير ما أقول لحد.
الحساب اللي كنت بحط فيه فلوس للطوارئ.
لكن قبل ما أرد عليه
دخلت الممرضة الأوضة وهي ماسكة ملف.
وقالت
في شخص دفع عربون العملية كامل من عشر دقايق.
بصينا لبعض باستغراب.
لأن محدش كان يعرف إننا هنا غير العيلة.
ولما سألتها مين اللي دفع
بصت في الملف وقالت اسم خلاني أنا وجوزي نتجمد 
الباقى في أول كومنت باللون الأزرق. لو مش ظاهر عندك، ابتسمت الممرضة وقالت
اللي دفع العربون اسمه... أستاذ سامح.
اتجمد جوزي في مكانه.
لأن سامح ده كان أبوه.
أبوه اللي بقاله أكتر من خمس سنين مقاطع أمه ومبيتكلمش معاها إلا في أضيق الحدود.
وأكتر حاجة صدمتنا إن جوزي أصلًا ما كانش كلمه من شهور طويلة بسبب الخلافات اللي كانت دايمًا أمه بتشعلها بينهم.
قال بصوت متقطع
أبويا؟!
هزت الممرضة رأسها ومشيت.
خرج جوزي من الأوضة بسرعة يدور عليه.
ولقيناه قاعد على كرسي قدام غرفة العمليات، ماسك مسبحته وساكت.
أول ما شاف ابنه، وقف.
جوزي قرب منه وعينه مليانة دموع
إنت دفعت؟
رد الأب بهدوء
أيوه.
قال جوزي
بس أنا... أنا حتى ما طلبتش منك.
ابتسم الأب ابتسامة كلها وجع وقال
الابن وقت الشدة ما بيطلبش من أبوه.
سكت الكل.
وأنا لأول مرة أشوف جوزي بالشكل ده.
كأنه طفل صغير اتكسر فجأة.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش خلصت.
لأن الأب بصله وقال
تعرف أنا عرفت إنك في المستشفى إزاي؟
هز جوزي رأسه
بالنفي.
فقال
أخوك جه يستلف مني فلوس عشان المشروع وقع وخسر كل حاجة.
شهقت أنا.
لأن ده نفس المشروع اللي حماته كانت بتدي له فلوس جوزي كل شهر عشانه.
كمل الأب
وقتها عرفت إن فلوسك كلها راحت هناك.
وشاور بإيده وقال
وأمك قالت للناس كلها إنها هي اللي كانت بتصرف عليك مش العكس.
الضربة كانت أقوى من أي ألم في بطنه.
وشفت ملامحه وهي بتنهار حرفيًا.
بعد ساعات دخل العملية.
والحمد لله نجحت.
لكن وهو في فترة النقاهة، طلب يشوف كشوف حساباته القديمة.
وقعد يحسب.
اكتشف إنه خلال 3 سنين حوّل لأمه مبلغ كان يكفي يشتري شقة كاملة.
ومع ذلك، وقت ما احتاج مساعدة، ما رجعلهوش جنيه واحد.
في الليلة دي قعد جنبي وقال
دينا... أنا ظلمتك.
ما رديتش.
قال وهو بيبكي
كل مرة كنت أقولك طماعة... كنت أنا اللي أعمى.
ولأول مرة من سنين حسيت إنه بيتكلم من قلبه.
بعد خروجه من المستشفى بأيام، حصلت مواجهة كبيرة.
راح لأمه وسألها عن الفلوس كلها.
في الأول أنكرت.
وبعدين اعترفت.
لكن بدل ما تعتذر قالت
دي فلوس ابنك وأنا حرة فيها.
ساعتها وقف وقال جملة غيرت كل حاجة
طول عمري كنت ابن بار... لكن البر مش معناه أظلم مراتي.
وساب البيت ومشي.
ومن يومها رجع راتبه لحسابه الطبيعي.
وبدأ يسدد كل المصاريف اللي كنت شايلاها لوحدي.
لكن النهاية اللي محدش كان متوقعها حصلت بعد شهور.
لما أبوه تعب فجأة ودخل المستشفى.
وقتها جوزي كان أول واحد واقف جنبه.
يصرف عليه ويخدمه ويبات جنبه.
وفي يوم الأب مسك إيده وقال
أنا مش فخور بالفلوس اللي دفعتها يوم العملية... أنا فخور إنك أخيرًا عرفت مين اللي بيحبك بجد.
سكت جوزي ثواني.
وبص ناحيتي أنا.
وقال
وأنا كمان عرفت.
ولأول مرة من سنين طويلة...
حسيت إن بيتي رجع بيت.
وإن الأزمة اللي كانت ممكن تكسر جوازنا...
كانت السبب في إن الحقيقة كلها تنكشف.
لكن الحقيقة اللي فضل جوزي يندم عليها طول عمره...
إن الإنسان أحيانًا
بيضيع أقرب الناس ليه وهو فاكر إنه بيعمل الصح... ولما يكتشف الحقيقة، بيكون دفع تمنها من قلبه قبل فلوسه لكن اللي محدش كان يعرفه...
إن الموضوع ما وقفش عند كده.
بعد حوالي ست شهور من العملية، حياتنا بدأت تهدأ شوية.
جوزي بقى أقرب ليا.
وحاول يعوضني عن سنين التعب.
وكنت فاكرة إن الصفحة اتقفلت خلاص.
لحد ليلة غريبة...
صحيت على صوت رسالة على موبايله الساعة 2 بعد منتصف الليل.
كان نايم جنبي.
وبالصدفة الشاشة نورت.
لقيت اسم حماته.
استغربت.
لأنهم من يوم المشكلة وكلامهم محدود جدًا.
لكن اللي خلاني أقلق مش الرسالة...
اللي أقلقني إنها كانت عبارة عن صورة فقط.
من غير أي كلام.
حاولت أتجاهل الموضوع.
لكن الصبح لقيت جوزي فاتح الرسالة ووشه شاحب بشكل مرعب.
أول ما شافني قفل الموبايل بسرعة.
قلتله
في إيه؟
رد بتوتر
مفيش.
لكن كان واضح إن في حاجة كبيرة.
من يومها بدأ يتغير.
يروح مشاوير فجأة.
يقفل باب الأوضة ويتكلم في التليفون بصوت واطي.
ويبص حواليه قبل ما يرد على أي مكالمة.
كل الذكريات القديمة رجعت تاني.
بدأ الشك يدخل قلبي.
وفي يوم وهو في الشغل...
الموبايل بتاعه رن.
المكالمة كانت من رقم غريب.
المتصل ساب رسالة صوتية بالغلط.
ولما فتحتها...
سمعت صوت راجل بيقول
لازم يجي بسرعة... قبل ما الورق يوصل للشرطة.
اتجمدت في مكاني.
شرطة؟
ورق إيه؟
وليه جوزي مطلوب يروح؟
رجع البيت بالليل.
ولأول مرة من سنين فتحت معاه الموضوع بعنف.
قلتله
إيه اللي بيحصل؟
سكت.
وبعدين قعد على الكرسي وقال
في حاجة كبيرة مستخبيّة عنك.
قلبي وقع.
قال
فاكرة المشروع اللي أخويا فتحه بفلوسي؟
هززت رأسي.
رد بصوت مرتعش
المشروع ده ما كانش مشروع أصلًا.
شهقت.
كمل وهو بيبص للأرض
كان غطاء لحاجة تانية أخطر بكتير...
وفي اللحظة دي...
رن جرس الباب بعنف.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
كأن اللي برا مستعجل جدًا.
بصينا لبعض.
وجوزي وشه فقد لونه تمامًا.

ولما فتحت الباب...
لقيت قدامي شخص ما شفتوش قبل كده في حياتي.
لكن أول جملة قالها خلت الدم يتجمد في عروقي
أنا جاي أقول الحقيقة قبل ما الكل يضيع...
ثم مد إيده بملف سميك وقال
الملف ده فيه كل حاجة... 
يتبع...مدّ الراجل
 

تم نسخ الرابط