كان فاكر انه قفل السكة

لمحة نيوز

لبرا، خلى كل حاجة حواليا حادة وواضحة بشكل غريب.. الأسفلت الأسود المبلول، الساعة اللي منورة في التابلوه، الرعشة الخفيفة اللي في إيدي الشمال، ريحة القهوة الفاترة اللي في الكوبية الورق.. وصورتي أنا في قزاز الباب، وشي كان باهت، وغريب، وكأني أول مرة أشوف الست دي في حياتي.
مروحتش البيت.
أنا دورت العربية وطلعت على مكتب أبويا
واللى حصل هناك كان 
مكتب أبويا كان في الدور الأخير من عمارة قديمة في وسط البلد، نفس المكتب اللي كنت بروحه وأنا صغيرة عشان آخد منه مصروف المدرسة أو أستخبى فيه لما أزعل من أمي.
بس الليلة دي أنا دخلته كشخص تاني خالص.
السكرتيرة أول ما شافتني قامت مفزوعة أستاذة ندى؟ حضرتك كويسة؟
هزيت راسي بهدوء عايزة مفتاح مكتب بابا.
اتوترت بس من بعد وفاته محدش
قاطعتها وأنا ببصلها بثبات المفتاح.
يمكن الطريقة اللي قولتها بيها خوّفتها. فتحت الدرج بسرعة وادتهولي.
دخلت المكتب وقفلت الباب ورايا.
ريحة الخشب القديم والورق والحبر ضربتني مرة واحدة. كرسيه لسه مكانه. النظارة فوق الملفات. حتى الكوباية اللي كان بيشرب فيها قهوته لسه على الرف.
وقتها بس دموعي نزلت.
مش بسبب طارق. ولا رانيا.
بسبب أبويا.
لأن الراجل الوحيد اللي كان عمره مستحيل يبيعني مات.
قعدت على كرسيه، وفتحت اللاب بتاعه اللي كنت عارفة الباسورد بتاعه من وأنا في الجامعة.

وبدون تفكير فتحت إيميله.
كنت بدور على أي حاجة تخص الورث. أي ورق قانوني. أي طريقة أحمي بيها نفسي قبل ما الحيوان اللي اسمه طارق يلمس جنيه واحد.
لكن وأنا بفتح الرسائل
إيميل متعلّم بنجمة شد انتباهي.
عنوانه كان
لو ندى فتحت الرسالة دي يومًا ما.
نفسي وقف.
الإيميل كان متبعت قبل وفاة أبويا بثلاث شهور.
فتحته بإيد بتترعش.
وكان فيه تسجيل صوتي.
ضغطت تشغيل.
وصوت أبويا طلع.
هادئ متعب بس كله حنية.
ندى لو سمعتي الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مبقتش موجود. وفي الحالة دي، لازم تعرفي الحقيقة كاملة.
قلبي كان بيدق بعنف.
أنا عمري ما وثقت في طارق.
شهقت.
كمل الولد ده عينه فيها جوع خوفني. كان بيبص لفلوسك أكتر ما بيبصلك. وعشان كدة أنا عملت حاجة من وراه.
فتحت عيني بصدمة.
الخمسة مليون جنيه اللي الكل فاكر إنهم هيتحولوا لحسابك الشهر الجاي مش هيتحولوا ليكي مباشرة.
قمت من الكرسي فجأة.
الفلوس كلها محطوطة في صندوق ائتماني باسمك، ومحدش يقدر يلمس جنيه واحد منهم إلا بموافقة محامي الشركة ولو حصل طلاق بسبب خيانة موثقة أو نصب، الطرف التاني بيتحرم نهائي من أي حق.
إيدي غطت بقي من الصدمة.
أبويا كان عارف.
كان شايف كل حاجة من بدري.
وفجأة افتكرت حاجة.
من شهرين، طارق أصر يخليني أعمله توكيل عام.
وقال وقتها عشان لو تعبتي أو حصلك حاجة أبقى أعرف أتصرف.
وأنا الغبية وافقت.

بدأت أدوّر بجنون وسط الملفات.
لحد ما لقيت فايل أسود مكتوب عليه احتياطي.
فتحته.
وكان جواه نسخة من التوكيل وعليه ختم أحمر كبير
لاغٍ وغير مُفعل إلا بحضور الطرف الأول شخصيًا.
ضحكة صغيرة طلعت مني رغماً عني.
ضحكة مرعبة حتى لوداني أنا.
طارق كان فاكر إنه ذكي لكن أبويا دفنه وهو لسه عايش.
وفجأة
الموبايل رن.
اسم طارق نور على الشاشة.
بصيتله ثواني ورديت.
صوته كان طبيعي بشكل مقزز حبيبتي انتي فين؟ اتأخرتي ليه؟
بصيت على المطر من شباك المكتب، وابتسمت لأول مرة من ساعة المكالمة.
وقلت بهدوء كنت عند بابا.
سكت ثانية.
ثم ضحك ضحكة مصطنعة الله يرحمه طب جاية؟
بصيت على التسجيل اللي لسه مفتوح قدامي وعلى الملفات وعلى خطة كاملة كانت بتتبني من سنين.
وقلت بنفس الهدوء أيوه يا طارق جاية.
لكن المرة دي أنا اللي هرجع البيت وأنا قافلة السكة.
رجعت البيت الساعة 11 بالليل.
المطر كان خف، لكن الشوارع لسه بتلمع كأن المدينة كلها غرقانة في سر كبير.
وقفت تحت العمارة دقيقة كاملة قبل ما أطلع. كنت ببص على شباك شقتي الشباك اللي كنت فاكرة إنه أمان.
طلعت.
فتحت الباب بهدوء.
أول حاجة شفتها كانت طارق. قاعد على الكنبة، لابس التيشيرت الرمادي اللي كنت بحبه عليه، وماسك الموبايل بيقلب فيه وكأن مفيش حاجة حصلت.
رفع عينه أول ما دخلت.
ابتسم.
الابتسامة اللي كنت زمان بضعف قدامها.

حمد لله على السلامة يا حبيبتي.
يا لهوي على التمثيل.
قلعت الكوتشي المبلول بهدوء، وحطيت الشنطة على الترابيزة.
تسلمي.
قرب مني يبوسني.
لفيت وشي كأني تعبانة.
لاحظ. أكيد لاحظ. بس الناس اللي زي طارق عندها ثقة عمياء إنهم أذكى من أي حد، فبيفسروا أي حاجة بالطريقة اللي تريحهم.
قال وهو بيتمطى مالك؟ شكلك مرهقة.
بصيتله ثانيتين.
كنت ببص لنفس البني آدم اللي حضني بعد أول إجهاض وأنا بنزف. نفس الراجل اللي كان بيعيط قدام الدكاترة ويقول أنا مستعد أخسر الدنيا كلها بس ندى تبقى كويسة.
طلع ممثل عظيم.
قلت بهدوء فعلًا مرهقة.
رن جرس الباب.
طارق اتوتر للحظة صغيرة جدًا بس أنا شفتها.
قام بسرعة أكيد دليفري.
وفتح الباب.
ورانيا دخلت.
أول ما شافتني واقفة، وشها اتسحب للحظة، لكن بسرعة رجعت ابتسامتها السمجة يا نونو! كنت جاية أطمن عليكي بس.
يا نونو.
الاسم اللي كانت بتناديني بيه من وإحنا 19 سنة.
بصيتلها وأنا حاسة إني ببص على جثة متحركة.
بجد؟ أصل الوقت متأخر.
ضحكت وهي بتقلع الكوت ما انتي عارفة طارق أخويا قبل ما يكون جوزك.
الجملة دي زمان كانت دفا.
النهاردة كانت قذارة.
قعدت رانيا، وطارق دخل المطبخ يعمل قهوة.
سمعته بيهمسلها مالها؟
ردت بسرعة مش عارفة بس خلي بالك.
ابتسمت.
لأول مرة فهمت إن الخيانة مش طعنة. الخيانة عملية طويلة فيها تفاصيل، وتمثيل، وضحك، وقهوة،
وأعياد ميلاد، وصور.
رجع طارق بالقهوة.
قعدنا تلاتتنا.
ثلاثة أشخاص اتنين منهم عارفين إنهم قتلوا التالت من
تم نسخ الرابط