عدت من المطار قبل إقلاع الطائرة بساعات... فوجدت زوجي يحتفل باختفائي!
أريد أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
نظرت إليه.
إلى أي حد كنت تريد أن يصل؟ إلى النار فقط؟ أم إلى الدم أيضًا؟
أخفض رأسه.
أمي ضغطت عليّ.
قلت
أمك لم تكتب الورقة.
لم يجب.
قلت
وأمك لم تقبّل سارة في غرفة جلوسي.
شد فكه.
كنت يائسًا.
قلت
لا. كنت مرتاحًا لفكرة أنني أساوي لك ميتة أكثر مما أساوي مطلقة.
امتلأت عيناه بالدموع.
لكنها لم تحرك شيئًا بداخلي.
ليس بعد الآن.
سألته
هل أحببتني فعلًا في يوم من الأيام؟
بكى.
نعم.
هززت رأسي.
إذن خيالك سيئ جدًا حين يتعلق الأمر بحب إنسان.
وقفت.
لا تطلب رؤيتي مرة أخرى. لقاؤنا القادم سيكون في المحكمة.
خرجت دون أن ألتفت.
الأشهر التي تلت ذلك كانت ثقيلة.
العدالة لا تركض كما يحدث في الأفلام.
العدالة تمشي ببطء، محملة بالأختام والنسخ والمعاملات والتأجيلات والممرات المزدحمة والموظفين المتعبين والمحامين الذين يحملون الملفات كأنها طابوق.
لكنها مشت.
حاول محامي أمينة أن يقول إنني قبلت المال باعتباره تسوية انفصال.
شغّل حيدر تسجيل الحديقة.
حاول محامي أحمد أن يقول إن التأمين على الحياة أمر طبيعي بين الأزواج.
قدّم محاميّ الورقة التي كُتب فيها أن لا أحد يجب أن يعثر على جسدي.
حاولوا تصويري كامرأة غير مستقرة.
قدمت تقاريري الطبية، ورسائل عملي، وكشوفات المصرف، ورسائل الهاتف، وإثبات إلغاء الرحلة، وكل صورة التقطتها
حاولوا أن يجعلوني أبدو كزوجة غيورة ومجنونة.
أما أنا فجعلتهم يبدون كما هم تمامًا
أشخاصًا بنوا مستقبلهم كله على اختفائي.
شهدت سارة.
لم أسامحها.
لكن شهادتها كانت المسمار الأخير في نعشهم.
قالت إن أمينة اختارت البالونات البيضاء لأن الاحتفال النظيف والأنيق يبدو أقل إثارة للشك.
وشهدت أن أحمد كان يخطط لبيع أجزاء من الشركة بعد قبض مبلغ التأمين.
وشهدت أن قاسم كان مكلفًا بتحريك سيارتي في منتصف الليل.
بكت سارة كثيرًا أمام القاضي.
أما أنا فلم أبكِ أمامها.
كنت أبكي في شقتي المؤقتة، عندما أخلع حذائي وأنظر إلى آثار الجروح القديمة في قدمي من تلك الليلة التي ركضت فيها حافية على الإسفلت.
كنت أبكي حين أسمع أغنية رومانسية.
وأبكي عندما أمر بجانب مكتب سفر.
وأبكي كلما ذكر أحد أوروبا.
لكن في كل مرة كنت أبكي، كنت أشعر أنني أصبحت أخف قليلًا.
بقي البيت في بغداد مغلقًا طوال الإجراءات القانونية.
لم أنم فيه مرة أخرى.
وعندما حصلت أخيرًا على إذن لأخذ أغراضي، ذهبت مع حيدر واثنين من الشرطة وصانع أقفال.
كانت البالونات البيضاء قد ذبلت ودُفعت داخل كيس قمامة.
وكانت آثار العصير الفوار قد جفّت على رخام المطبخ.
وكانت غرفة الجلوس تفوح برائحة بيت انتهت روحه.
صعدت إلى غرفة نومي.
كانت ملابسي لا تزال معلقة في الخزانة.
وعطري فوق التسريحة.
وقرط صغير على الطاولة الجانبية.
حياة كاملة تنتظر امرأة لم تعد موجودة.
وضعت أشياء قليلة فقط في حقيبة.
جواز سفري.
سترة خضراء.
صور أبي.
والكوب الأزرق الذي أعطتني إياه أمي يوم زواجي، وقالت لي
حتى لا تنسي أن تشربي شيئًا دافئًا عندما يبرد العالم حولكِ.
في غرفة المكتب، وجدت اللوحة معلقة بشكل مائل.
وكانت الخزنة فارغة.
حدقت فيها طويلًا.
هنا كان أحمد يحفظ أوراق موتي كما لو أنها معاملات عادية.
تركت داخل الخزنة ورقة واحدة.
بيضاء.
سألني حيدر
ما هذه؟
قلت
استقالتي.
قال
من ماذا؟
قلت
من الحاجة إلى شرح لماذا أستحق أن أعيش.
لم يفهم في البداية.
ثم عانقني.
بعد عام، وُجهت إلى أحمد تهم رسمية متعددة.
وأمينة أيضًا.
وقاسم عقد صفقة مقابل شهادته.
أما المحامي الذي كتب الأوراق المزورة، فقد خسر أكثر بكثير من رخصة عمله.
بيع المنزل.
لم أهتم.
لم أكن أريد أن أعيش في بيت سمع نخبًا احتفل بغيابي.
وبحصتي من المال، اشتريت شقة صغيرة في وسط بغداد، لها نافذة كبيرة تطل على المدينة حين يكون الجو صافيًا.
في أول يوم أحد استيقظت فيه هناك، لم تكن هناك موسيقى مزيفة.
ولا كؤوس تتصادم.
ولا خطوات غرباء.
كان هناك صمت فقط.
صمتي أنا.
حضرت القهوة.
فتحت باب الشرفة.
دخل هواء الصباح قويًا وباردًا وحيًا.
ولأول مرة منذ زمن طويل، أخذت نفسًا عميقًا دون أن أطلب الإذن من
بعد أشهر، أوصلني حيدر إلى المطار.
هذه المرة كانت لدي تذكرة حقيقية.
مدريد.
باريس.
روما.
ليس لكي أختفي.
بل لكي أظهر.
في طابور تسجيل السفر، نظر إليّ أخي بقلق.
هل أنتِ متأكدة أنك بخير وتسافرين وحدكِ؟
ابتسمت.
لم أكن يومًا أقل وحدة مما أنا عليه الآن.
عانقني.
أرسلي لي موقعك كل يوم.
قلت ضاحكة
متسلط.
قال
نجوتِ من محاولة اغتيال. صار من حقي أن أكون متسلطًا.
ضحكت.
بعد أن تجاوزت التفتيش، نظرت خلفي.
كان حيدر لا يزال واقفًا هناك يلوّح لي.
تذكرت أمينة وهي تحتضنني في هذا المطار نفسه وتطلب مني ألا أعود قبل ثلاثة أسابيع.
تذكرت ظرف المئة ألف دولار.
وتذكرت التوقيع المزور.
والشهادة.
والورقة.
والسيارة التي لم تحترق.
وفهمت شيئًا بوضوح كامل.
هم لم يرسلوني إلى أوروبا لأرتاح.
أرسلوني حتى يمحوني.
لكن المرأة التي تعود مبكرًا تستطيع أن تدمر خطة كاملة.
صعدت إلى الطائرة.
وعندما أقلعت، رأيت أضواء بغداد تصغر تحت سماء الليل.
لم أشعر بالخوف.
شعرت بالغضب، نعم.
وبالحزن أيضًا.
لكن تحت كل ذلك كان هناك شيء جديد تمامًا.
شيء يخصني وحدي.
شيء لا يمكن وضعه داخل ظرف، ولا وثيقة تأمين، ولا ورقة مزورة.
الحرية.
ظن أحمد أن اختفائي يمكن توقيعه على ورقة.
وظنت أمينة أن حياتي يمكن شراؤها.
وظنت سارة أن مكاني يمكن أن يُورث ببساطة.
لكنهم جميعًا كانوا مخطئين.
لأنني
لقد عدت.
وعندما تعود امرأة لتنقذ حياتها بيديها، لا يوجد بيت، ولا اسم عائلة، ولا عائلة مستعارة، تستطيع أن تدفنها وهي ما زالت حيّة.