قاد أوبر ليبقى حيًّا… فركب معه سرٌّ غيّر حياته بعد 28 عامًا

لمحة نيوز

قدتُ سيارة أوبر ثلاث سنواتٍ فقط لأتمكّن من البقاء.
لم تكن لديّ أحلامٌ كبيرة، ولا خططٌ بعيدة؛ فقط الإيجار، وقوت اليوم، ومحاولة إبقاء رأسي فوق الماء بعدما جرّدتني الحياة من كلّ ما عدا ذلك. كانت معظم الليالي تتشابهمطارات، حانات، أحياء هادئة، وأحاديث متعبة تنتهي مع إغلاق الباب.
تلك الليلة لم تكن مختلفة.
التقطتُ رجلًا مسنًّا قرابة منتصف الليل. كان يمشي ببطء، أنيق المظهر، وما إن جلس في المقعد الخلفي حتى شبك يديه في حجره بصمت. كانت الرحلة طويلةنحو ساعة كاملةوفي بدايتها لم ينطق بكلمة.
لكنني كنت أشعر بنظراته في المرآة الأمامية.
لم تكن نظرات مريبة بل نظرات باحثٍ عن شيءٍ ضائع.
وأخيرًا، تكلّم.
لديك عينا أمّك، قال بهدوء.
ابتسمتُ ابتسامة مجاملة. ربما.
تردّد لحظة، ثم سأل سؤالًا جعل يديّ تشدّان بقوة على المقود
ما اسم والدتك؟
كدتُ لا أجيب. بدا السؤال شخصيًا أكثر مما ينبغي لغريب. لكن في صوتهالهشّ، المتحفّظشيئًا
دفعني للكلام.
كان اسمها إلينا.
ساد الصمت داخل السيارة.


نظرتُ إلى المرآة، فرأيت وجهه ينهار. انهمرت الدموع على خدّيه بلا توقّف، كأن سدًّا قد انكسر.
يا إلهي همس. إنه أنت.
توقّفتُ على جانب الطريق دون وعي.
سيدي هل أنت بخير؟
غطّى وجهه بيديه، وبدأ كتفاه يهتزان.
أبحث عنك منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا، قال وهو يبكي.
تسارع نبضي. تبحث عني؟ لا بد أنك مخطئ.
هزّ رأسه بقوة، وأخرج هاتفه بيدٍ مرتجفة.
كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي، قال. لكنني لم أتخيّل أن يكون هكذا.
أدار الشاشة نحوي.
وحين رأيت ما عليها
انحبس نفسي في صدري.
لأن الصورة التي كانت تحدّق بي
هي صورة لم أرَ مثلها إلا مرةً واحدة في حياتي.
صورة أمّي.
وهي تحمل طفلًا حديث الولادة بين ذراعيها.
ذلك الطفل كان أنا.
غامت رؤيتي.
من أين حصلتَ على هذه الصورة؟ همستُ.
مسح الرجل العجوز عينيه. التُقطت يوم وُلدتَ.
شعرتُ بدوار. هذا مستحيل. أخبرتني أمّي أن والدي توفّي قبل ولادتي.
أومأ ببطء. هذا ما قيل لها أيضًا.
أخذ نفسًا مرتجفًا وبدأ يتحدّثبهدوءٍ شديد، وكأنه يعيد فتح جرحٍ لم يلتئم
يومًا.
قبل ثمانيةٍ وعشرين عامًا، كان رجلَ أعمالٍ شابًا أحبّ امرأة تُدعى إلينا. أمّي. كانت علاقتهما حقيقية وجادّة، لكن عائلته النافذة قطعتها، معتبرةً إيّاها غير مناسبة. وحين حملت، تدخّلوا.
قيل لها إنني تخلّيت عنها، قال. وقيل لي إنها لا تريد رؤيتي مجددًا.
أراني رسائل محفوظة منذ عقود، وخطابات لم تُرسل، وإجراءاتٍ قانونية أُوقفت بالنفوذ، وسجلات محقّقٍ خاصّ استعان به لاحقًابحثٌ كان ينتهي دائمًا إلى طرقٍ مسدودة.
لم أتوقّف عن البحث، قال. لكن أمّك اختفت. غيّرت المدن وغيّرت حياتها.
ضاق حلقي. توفّيت قبل خمس سنوات.
أغمض عينيه بألم. كنتُ متأخرًا.
تذكّرت طفولتيالتنقّل الدائم، الكفاح، وأمّي التي أنهكها العمل لتمنحني فرصة. كلّ تلك السنوات ونحن نعتقد أنّنا وحدنا.
هل أنت متأكد؟ سألتُ بصوتٍ واهن. هل أنت متأكد أنّني؟
أومأ وأراني أمرًا أخيرًا.
نتيجة فحصٍ للحمض النووي.
تطابق. موثّق. لا يقبل الشك.
الأب 99 99.
انهرتُ.
لا بسبب المال.
ولا بسبب المكانة.
بل لأن قصّتي كلّها
أُعيدت كتابتها فجأة.
لم أكن غير مرغوبٍ فيّ.
لم أكن متروكًا.
لقد انتُزِعتُ.
جلسنا هناك طويلًا.
غريبان جمعهما الدم والزمن، متوقّفان تحت ضوء مصباح شارعٍ واهن. اعتذر مرارًالأنه لم يجدني أبكر، ولأنه صدّق الأكاذيب، ولحياةٍ لا يمكن استعادتها.
حدّثتُه عن أمّي.
عن قوّتها التي لم تكن تُرى، لكنها كانت تحمينا كل يوم.
عن تعبها الصامت، وعن يديها المتشقّقتين من العمل، وعن ابتسامتها التي كانت تُخفي بها خوفها عليّ.
حدّثتُه عن امرأةٍ حملت وحدها عبئًا لم تختره، ومع ذلك لم تشتكِ، ولم تلعن، ولم تسمح للكراهية أن تجد طريقها إلى قلبها.
حدّثتُه عن أنّها، رغم كل شيء، لم تتحدّث يومًا بسوءٍ عن الرجل الذي ظنّت أنّه تخلّى عنها.
كانت تقول دائمًا ربما كان له عذره.
وكأنّها كانت تحمي صورته حتى في غيابه.
كان يصغي إليّ كأن كلّ كلمةٍ أقولها شيءٌ مقدّس.
لم يقاطعني.
لم يبرّر.
لم يدافع عن نفسه.
كان فقط يسمع وكأنّه يحاول أن يستعيد، من خلال صوتي، سنواتٍ ضاعت منه إلى الأبد.
لم يعرض عليّ
مالًا تلك الليلة.
ولم يتحدّث عن تعويض، أو نفوذ، أو ما يستطيع أن يفعله
 

تم نسخ الرابط