قال لها ابنها أخي هناك فانهار كل ما كانت تؤمن به
عندما اكتشفت أن جزءا من استقرارها كان قائما على تلك اليد المتحكمة لكنها نظرت إلى الطفلين إلى ماتيو الملتصق ببابلو كظل سعيد واتخذت قرارها
سنتدبر أمرنا قالت نعمل أكثر نعيش في بيت أصغر لكننا لن نتركهم مرة أخرى
وفعلوا
انتقلوا إلى بيت متواضع له فناء وأشجار فاكهة بدأت كونسويلو حديقة صغيرة كأن الزراعة وسيلة للشفاء كان الطفلان يركضان يضحكان ويبنيان خططا لبيت شجرة ولأول مرة كان لبابلو سرير خاص به ومع ذلك كان يفضل النوم قرب ماتيو كأن الجسد يتذكر أنهما فصلا يوما
مع الوقت ظهرت السيدة إسبيرانثا في البيت الجديد بدت مختلفة أقل تكبرا أكثر إنسانية جثت في التراب بجانب كونسويلو لزرع الطماطم وعندما نظر بابلو إليها بتلك الجدية التي يحملها الأطفال المجروحون انهارت
هل يمكنك أن تسامحني سألت بصوت مرتجف
فكر بابلو بجدية كمن تعلم النجاة
تقول العمة كونسويلو إن من يندم حقا يمكن أن يغفر له قال لكن ستحبينني الآن أيضا
بكت السيدة إسبيرانثا كما لو أدركت أخيرا حجم خطيئتها
سأحبك كثيرا حفيدي الاثنين
في تلك الليلة أكلوا البيتزا جالسين على الأرض لأنهم لم يثبتوا الطاولة بعد أخذ بابلو قضمة بطيئة يتذوقها كأنها شيء مقدس
إنها أفضل بيتزا في حياتي قال
لماذا سألت السيدة إسبيرانثا
لأنها أول مرة آكل فيها البيتزا مع عائلتي كلها معا
ساد صمت مليء بالدموع لا دموع حزن بل ذلك الألم الجميل الذي يأتي حين يبدأ شيء مكسور بالالتئام
شيئا فشيئا توقف بابلو عن تخزين الطعام في جيوبه كما لو كان يخشى أن تسلب منه اللقمة في أي لحظة لم يحدث ذلك دفعة واحدة كان التغير بطيئا مترددا مثل طفل يتعلم أن يثق بعد أن قضى عمره كله يتوقع الخذلان
في البداية كان ما يزال يأكل بسرعة ثم يتلفت حوله كمن ينتظر صراخا أو عقابا وإذا امتلأت معدته قبل أن يطمئن قلبه كان يضع ما بقي من الخبز في منديل ويخبئه تحت الوسادة ولم تكن دانييلا تنتزعه منه ولا تعنفه كانت تبتسم فقط وتقول له بهدوء اتركه إن شئت وغدا ستجد أكثر منه
وكان الغد يأتي فعلا
وبعد أيام بدأ بابلو يفعل شيئا صغيرا لكنه كان عظيما في
ثم في ليلة من الليالي حدث ما لم يتوقعه أحد نام بابلو نوما عميقا دون أن يضع الخبز تحت وسادته وعندما استيقظ صباحا ووجد الإفطار جاهزا وقف في مكانه طويلا كأنه لا يفهم كيف يمكن للحياة أن تكون بهذه البساطة التفت نحو ماتيو ثم ابتسم له ابتسامة صغيرة خجولة وقال اليوم ما رح أخبي
ضحك ماتيو وكأنه انتصر في معركة صامتة وأمسك يد أخيه وراح يجره إلى الطاولة لا كمن يأخذ ضيفا بل كمن يعيد شيئا إلى مكانه الصحيح
وأما الضحك فقد جاء ببطء أيضا في البداية كان بابلو يبتسم فقط عندما يضحك الآخرون ثم يطلق ضحكة قصيرة وينظر حوله بقلق كأنه ارتكب خطأ كانت دانييلا تلاحظ ذلك فتقول له الضحك ليس جريمة يا بابلو فيسكت قليلا ثم يحاول مرة أخرى
إلى أن جاء يوم عاد فيه من المدرسة وهو يحمل ورقة رسم رسم بيتا كبيرا له شجرة ورسم أربعة أشخاص وطفلين كتب تحتها بحروف مرتجفة هذا بيتي ثم نظر إلى دانييلا بارتباك وقال هل ممكن أعلقها فأجابته دون تردد بل نعلقها في أجمل مكان وعندما علقوها شعر بابلو للمرة الأولى أن اسمه ليس عابرا في حياة أحد
وفي المدرسة بدأت المعلمات يلاحظن شيئا يثير الدهشة التوأمان كما صار الناس يسمونهما لا يتنافسان كما يفعل كثير من الأطفال بل يكمل أحدهما الآخر بطريقة غريبة ومؤثرة كان ماتيو اجتماعيا مندفعا يحب اللعب والصوت والحكايات بينما كان بابلو أكثر هدوءا دقيقا يلاحظ التفاصيل ويخاف من الأخطاء
إذا تعثر ماتيو في مسألة الحساب اقترب منه بابلو وهمس له بخطوات الحل كأنه يحميه من الإحراج وإذا خاف بابلو من المشاركة في الصف رفع ماتيو يده وقال بحماسة أنا وبابلو بنجاوب سوا! فيتجرأ بابلو لأن أحدا يقف بجواره
وكانت المعلمات يقلن لدانييلا أحدهما يعلم التركيز والآخر يعلم اللعب وكأن الله أعطى كل واحد منهما ما ينقص الآخر
أما كونسويلو فكانت قصتها تتغير هي الأخرى لكن بطريقتها البسيطة كانت تجلس على الطاولة في المساء تخرج نظارتها القديمة
وفي إحدى الليالي بعد أن أخطأت في قراءة كلمة اعتذرت وهي تضحك بحرج لكن بابلو نظر إليها بجدية وقال أنت أعطيتني أهم شيء أعطيتني قلبك سكتت كونسويلو لحظة ثم انهمرت دموعها دون صوت كما يبكي الإنسان عندما يدرك أنه لم يكن بلا قيمة يوما
في الأسبوع التالي سجلت نفسها في دروس محو الأمية لم تفعل ذلك
لتبدو أفضل أمام الناس بل لتكون قادرة على أن تقول لابنها أنا أتعلم من أجلك ومن أجل نفسي أيضا وكانت دانييلا تراها وهي تحمل دفترا صغيرا وتعود مبتسمة فتشعر أن البيت لا يرمم طفلين فقط بل يرمم امرأة كانت الحياة قد كسرتها ببطء
ومع مرور الشهور بدأ البيت المتواضع يتحول من غير تخطيط إلى مكان يقصده الآخرون انتشرت القصة في الحي أولا ثم في المدرسة ثم بين الأمهات في الأسواق حكاية طفل ضائع عاد إلى حضن أمه وحكاية امرأة فقيرة أحبت طفلا ليس من رحمها كأنه ابنها
وفي يوم ما جاءت زوجان شابان لم يحضرا بدافع الفضول بل بدافع الحاجة كانت عيناهما متعبتين وصوتهما مكسورا من كثرة الانتظار قالا لكونسويلو سمعنا قصتك ونريد أن نتبنى طفلة أكبر سنا قالوا لنا إن الأمر صعب وإنها ستتعبنا وإنها لن تثق بنا نحن خائفان لكننا لا نريد أن نؤذيها ماذا نفعل
جلست كونسويلو أمامهما لا كمختصة ولا كخبيرة بل كمن عاش الحقيقة بجلده قالت لهما ببطء لا تطلبا منها أن تثق بكما بسرعة أعطياها وقتا الطفل المجروح لا يكره الحب لكنه لا يصدقه أثبتا لها أنكما باقيا حتى عندما تخطئ حتى عندما تختبركما حتى عندما تحاول أن تدفعكما بعيدا
ثم جاءت عائلة أخرى ثم أخرى لم تعد كونسويلو تتحدث كثيرا عن تفاصيل الألم بل عن مفاتيح النجاة الصبر والاحتواء وعدم الإذلال واللغة التي تقال بها كلمة لا دون أن تصبح سكينا ومع كل زيارة كان ذلك البيت يكسب معنى جديدا لم يعد مكانا يضم طفلين فقط بل صار مكانا يتعلم فيه الناس كيف يضمون بعضهم بعضا
وفي ليلة هادئة جلس ريكاردو على حافة السرير يتأمل ماتيو وبابلو وهما نائمان كان ماتيو ينام وذراعه
همس ريكاردو لدانييلا هل تدركين ما بدأ كسرا رهيبا صار يصنع شيئا جيدا
لم تجبه دانييلا فورا كانت تمسح شعر طفليها كليهما بيدين صارتا تعرفان معنى أن تلمس طفلا كأنك تعتذر له ثم قالت بصوت خافت لا يمحو الماضي لكنه يعلمنا كيف لا نعيده
سكتت لحظة ثم أضافت المستقبل المستقبل يمكن أن يكون مختلفا ليس لأننا ننسى بل لأننا نتعلم
مرت السنوات وكبر الطفلان قليلا ولم تعد أسئلة الناس تنتهي من يشبه من من الأكبر كيف عاد من المسؤول
لكن ماتيو كلما سئل السؤال الذي كان يدهش الجميع كان يجيب ببساطة لا يملكها إلا الأطفال الذين لم تفسدهم الحسابات
سأله أحدهم كيف عرفت بوجود بابلو كيف كنت متأكدا
وضع ماتيو يده على صدره وقال لأنني كنت أشعر به هنا القلب يعرف عندما يكون هناك من ينقص
ولم تكن تلك مجرد جملة لطيفة كانت حقيقة عاشها الجميع لأن القلب لا يكتب تقارير ولا يراجع ملفات المستشفى لكنه يعرف الفراغ عندما يكون الفراغ ابنا مفقودا أو عمرا مسروقا أو حضنا كان يجب أن يكون موجودا منذ البداية
وفي تلك العائلة التي كانت في نظر البعض غير مألوفة وفي نظر كل من دخلها واسعة بما يكفي تعلم الجميع دروسا لم تكتب في الكتب
أن الدم قد يجمع نعم لكنه لا يكفي وحده
وأن الحب هو الذي يثبت ويبقي
وأن المال قد يسهل الطريق لكنه لا يعيد ما انكسر إن غاب الضمير
وأن الحياة قد تفرق دون أن تطلب إذنا
لكن الحب عاجلا أو آجلا يجد طريقه ليجمع ما ولد ليكون معا
وفي إحدى الأمسيات عندما كانت كونسويلو تسقي شتلات الطماطم في الفناء اقترب منها بابلو وقد صار أكثر طمأنينة وأقل خوفا قال لها خالتي لو رجع في الزمن كنت ستختارينني مرة أخرى
ابتسمت كونسويلو ومسحت التراب عن يديها وقالت كنت سأختارك ألف مرة لأنك لم تكن عبئا كنت رزقا في حياتي
التفت بابلو نحو البيت حيث كان صوت ماتيو يعلو بالضحك ورائحة العشاء تتسلل من المطبخ ثم قال بصوت منخفض لكنه ثابت إذا أنا لست ضائعا بعد الآن
وكانت تلك في الحقيقة أكبر معجزة
أن الطفل