قصّة مصريّة حقيقية واحد راجل غني عنده مشاكل

لمحة نيوز

جلس الغني على الحصيرة الخشنة في بيت الفلاح، صدره يعلو ويهبط من أثر الألم، بينما عيناه تتابعان الفلاح الذي وقف طوال الليل يدعو له بصدق لا يعرف الزيف. شَعَر الغني أن هذا الرجل البسيط يملك شيئًا نادرًا، شيئًا لم يستطع المال ولا المستشفيات ولا العمليات أن يمنحه له مهما تكررت. كان الفلاح يرفع يديه إلى السماء بقلب طفل، ويقول كلمات لم يسمعها الغني من قبل، كلمات خرجت من أعماق روح تعرف الفقد وتعرف المعنى.

نظر الفلاح إليه نظرة طويلة، فيها صدق ووجع وشيء يشبه التردد. لم يتوقع الغني أن يجد في عيني رجل بسيط هذا العمق كله. لكن الفلاح تنفّس ببطء، ومسح على لحيته وقال: “دي خبيئة ما كنتش ناوي أقولها لحد… بس يمكن ربنا جابك هنا عشان تسمعها.”

شعر الغني بقشعريرة تمتد في جسده. لأول مرة منذ سنوات، كان منتبهًا… حيًا… حاضرًا. جلس أمام الفلاح كأنه طفل ينتظر قصة فاصل أخير، قصة يمكن أن تعطي معنى لكل هذا الألم. ابتسم الفلاح ابتسامة حزينة، ثم قال بصوت خافت: “كل حاجة بدأت يوم ما كنت أب…” كان الغني يحدق فيه، منتظرًا الكلمة التالية وكأن نفسه معلّق بها.

كانت كلمة “أب” تحمل مأساة

لم يتوقع الغني أن يسمعها.
وكانت البداية فقط لقصة لم تُروَ من قبل.
مسح الفلاح دمعة صغيرة لم ينتبه لها إلا الغني، ثم قال: “كان عندي بنت… اسمها زينب. كانت ريحة البيت وضحكته. كانت لما تضحك، تحسسني إن الدنيا كلها بتضحك.” سكت قليلًا وكأنه يؤلم قلبه بذكرى لا تزال حية، ثم تابع: “في يوم من الأيام، زينب تعبت… تعب غريب. سخونة ما بتنزلش، وجسمها بيضعف قدامي وأنا عاجز.”

كان الغني منكمشًا في مكانه، يشعر بالألم يلتف حول قلبه. أكمل الفلاح: “الدكتور قال لازم دواء غالي. غالي لدرجة إنه أكبر من رزقي كله. وأنا كان عندي معزة… المعزة دي مش بس كانت مصدر رزقي، كانت كل حاجة ليا. كانت تعيش معانا في الدار وتلعّب زينب، وكانت تحبها أكتر مني.” تنهد بعمق ثم قال: “بعت المعزة… بعتها وأنا قلبي بيتقطع. كنت حاسس إني بقطع جزء مني. بس قلت: البنت أولى. الفلوس رجعت بيها أجري على البيت… لقيت زينب راحت لربها قبل ما أوصل.”

ساد صمت ثقيل جدًا. الغني لم يستطع رفع عينيه. شعر أن صدره يضيق وأن الألم يعود بقوة أكبر من ألم المرض. لم يكن يتخيل أن جملة بسيطة مثل “بحق المعزة” تحمل خلفها قصة فقد كهذه.

أكمل الفلاح: “من ساعتها… صرت أدعي بحق المعزة. مش علشان المعزة… لكن علشان اللحظة اللي فقدت فيها زينب. هي خبيئتي… الدعوة اللي مفيش حد يعرفها غيري وربنا.”

رفع الغني رأسه ببطء، وعيونه ممتلئة بدمع لم يسقط بعد. كان يشعر أن قلبه يتغير، أن الحياة تضعه أمام مرآة لم يجرؤ يومًا أن ينظر إليها. سأل بصوت مكسور: “ولسه… لسه بتدعي بيها لحد دلوقتي؟”ابتسم الفلاح وقال: “لأنها أغلى حاجة قدمتها في حياتي… وربنا بيحب الدعوات اللي خارجا من وجع حقيقي.”

لكن الغني لم يكن يعلم أن الفلاح يخفي شيئًا آخر.
شيئًا لو عرفه قبل سنوات… كان سيغير حياته كلها…
ساد هدوء غريب في الغرفة، وكأن الهواء نفسه توقف ليستمع لما سيأتي. الفلاح نظر للغني نظرة عميقة وقال له: “بس في حاجة… ما قلتهاش لحد قبل النهارده.” هز الغني رأسه دون كلام، ينتظر ما سيقال وهو يشعر بأن قلبه صار هشًا كزجاج رقيق
تنفّس الفلاح وقال: “بعد ما زينب ماتت… فضلت فترة متلخبط. كنت كل يوم أفتح الباب وأستنى صوتها. وبعدين… في ليلة من الليالي، وأنا نايم، حلمت بيها.”

تجمّد الغني. لم يكن يتوقع أن القصة ستصل إلى هذا العمق. أكمل الفلاح:

“كانت بتضحك… نفس ضحكتها. قربت مني وقالت لي: يا بابا، ما تبصش للي أخده ربنا… ابصّ للي هيدهولك. وقالت حاجة عمري ما نسيتها: ساعد اللي محتاج، حتى لو كان أغنى واحد في الدنيا.”

أحس الغني أن الدم جفّ في عروقه. لم يعرف لماذا يشعر بأن الكلام موجَّه له شخصيًا، كأن زينب كانت تخاطبه هو لا الفلاح. شعر أنه هو أيضًا كان ينتظر من يساعده، رغم كل الملايين التي يملكها. أكمل الفلاح: “علشان كده… لما شفتك واقف لوحدك، عينك فيها حيرة ووجع، كان لازم أساعدك. مش علشان الأكل… ولا علشان أنا طيب. علشان بنتي… وصيتها لسه عايشة.”

هنا أغمض الغني عينيه، وشهق دون أن يشعر. لأول مرة منذ سنوات، سالت دمعة من عينه. لم يستطع حبسها. مسحها سريعًا، لكنه لم يتمكن من إخفاء ارتجاف صوته وهو يقول: “أنا… يمكن محتاجك أكتر ما أنت متخيل.” اقترب الفلاح منه وربت على كتفه وقال: “ربنا كبير… وبيبعث الرسائل في وقتها.”

فتح الغني عينيه، وشعر لأول مرة أن حياته ممكن تبدأ من جديد. وقف ببطء وقال: “أنا لازم أعمل حاجة… حاجة كبيرة. يمكن دي تكون أول مرة أحس إني بني آدم بجد.” ثم ابتسم الفلاح ابتسامة مطمئنة، وكأن

زينب ابتسمت معه.

تم نسخ الرابط